ومن ثَمّ يجدر دراسة هذه الجموع وهي في الجملة لا مجردة عنها ؛ لأنّ الجملة أهم وحدات المعنى ، وأهم من الكلمة نفسها ؛ إذ لا يوجد في رأيهم معنى منفصل للكلمة ،بل معناها في الجملة التي تقع فيها | ومثل ذا قوله عليه السلام : أمَا لو أُشْرِعَتِ الأسِنَّةُ ، وصُبَّتِ السُّيوفُ على هاماتِهِم فجاء الجمع الأسنة للكثرة مع أنّه على الوزن أفْعِلَة الذي هو من أوزان القلة ؛ ذلك لأنّه جاء مع التوكيد بـ أمَا المُدْعَم بالتمني بـ لو ، وهذان الأسلوبان يستدعيان الكثرة ؛ فهو عليه السلام لا يؤكد تمنيه إشراع أسنة قليلة ، وإنما يؤكد ويتمنى إشراع الكثير منها ، ويعاضد هذا أيضاً العطف ، فقد عطف على هذه الجملة وصبت السيوف على هاماتهم ، ولو أريد التقليل في بدء الكلام لقيل هنا صبت الأسياف |
---|---|
عادت: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء تاء التأنيث | شاهدت الطّلا ب َ في الساحة |
والأمر مثله حين يعبر عن صفة الزهاد وخوفهم من يوم القيامة : في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، فالمعاد قادهم إلى البكاء الكثير الواضح من استعمال جمع الكثرة عيون ؛ وهذا كان سبباً لإسهادهم.
22ولمزيد من أمثلة القلة يلاحظ في الجموع الآتية : أودية ، و جيرة ، و أسياف ، أكف ، وملخص الأمر أن في العربية جموعاً تأتي للقلة ؛ لأنّ الكلام الواقعة فيه مما ينبغي أن تكون به هذه القلة | ومن القرائن اللفظية : إنّ رُواةَ العلمِ كثيرٌ ، ورُعاتَهُ قليلٌ ، فالجمعان رواة ، و رعاة كلاهما على وزن فُعَلَة المَعدود من أوزان القلة ، لكنه في القول الإمامي جاء للكثرة مع رواة ، وللقلة مع رعاة بسبب القرينتين اللفظيتين : كثير و قليل |
---|---|
ومـن هذا الجمع استعمال الجمع أهاضيب الذي هو جمع أهضاب ، وأهضــاب جمع هضبة التي تعني المطرة في قوله عليه السلام : تمريه الجَنوبُ دِرَرَ أهاضيبه ، ومثله الجمع أزاهير الذي هو جمع أزهار وأزهار جمع زهرة ، وذلك في قوله عليه السلام في الأرض : وتزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها ، و ريط جمع ريطة التي هي الثوب الرقيق الجميل | وكان المبحث الأول يخصّ الدلالات العامة لجموع التكسير في نهج البلاغة من قلة وكثرة ومبالغة في الكثرة ، وفي هذا المبحث تطرق لجمع الجمع الذي كثيراً ما كان يأتي لإفادة المبالغة في الكثرة ، وختم ببيان اثر القرائن لتوجيه تلك الدلالات |
ونورد هنا نماذج من الحذف قد وقع على الأحرف الزائدة، دون الأحرف الأصلية، من ذلك: مدحرج مثلاً، تحذف منه الميم - و متدحرج تحذف منه الميم والتاء، ويُجمعان معاً على: دحارج؛ و قرطبوس: الداهية تحذف منه الواو والسين ثم يجمع على قراطب؛ ومن غضنفر تحذف النون، ويجمع على غضافر؛ و فَدَوْكَس: الأسد تحذف منه الواو ثم يجمع على فداكس.
10والمقصود بأنه أكثر من اثنين، أي جمع مذكر، مثل: طلاب، جمع طالب ، و تلاميذ جمع تلميذ | المبالغة في الكثرة : تأتي هذه الدلالة مع جمع الجمع في الغالب كما في أقوال جمع ، وقد جمع على أقاويل ، و إنما قلت أقاويل ، فبنيت هذا البناء حين أردت أنْ تكثِّر وتبالغ في ذلك كما تقول : قطّعه وكسّره حين تكثر عمله ، ولو قلت : قَطَعَه جاز واكتفيت به ، أي كما أن الوزن فعّل يفيد التكثير فكذا جمع الجمع يفيد الكثرة ، نحو قوله عليه السلام : فلا يسمعنّ فيه أقاويلَ الرجالِ ، وهذا نهي عن تصديق كل مسموع حتى لو تكاثرت أقاويل الرجال ، وأنّ ما يؤخذ ينبغي أن يكون عن بينة ودليل ، وليس من الحكمة تصديق كل ما قيل ؛ لأنّ من الرجال من هو شأنه المبالغة في الكلام وتحريف ما يقول |
---|---|
إذا تأملت الكلمات التي تحتها خط فستجدها كلها جموع ، وإذا نظرنا إلى مفرد كل واحد منها ووازنّا بينه وبين جمعه ، وجدنا صورته قد تغيرت في الجمع |